عشي علاء الدين
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ملخص عن اسس القانون الاداري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abdelghani



عدد المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 06/04/2011
الموقع : http://abdelghani.tw.ma/

مُساهمةموضوع: ملخص عن اسس القانون الاداري   السبت أبريل 09, 2011 10:21 am


أسس القانون الإداري

أهمية تحديد أساس للقانون الإداري:

لا شك أنّ وضع أساس للقانون الإداري يساهم في تحديد ولاية هذا القانون، وحصر مجال تطبيقه، ويمكن إجمال أهمية تحديد الأساس فيما يأتي:

1- من حيث الجهة القضائية صاحبة الاختصاص:
إنّ وضع أساس للقانون الإداري له فائدة عملية تتجلى في معرفة اختصاص كل من القضاء العادي و القضاء الإداري خاصة بالنسبة للدول التي تبنت ازدواجية القضاء أسلوبا كفرنسا ومصر و تونس و المغرب و الجزائر و غيرها من الدول.
ولقد ازدادت أهمية وضع أساس للقانون الإداري من الناحية العملية في الجزائر خاصة بعد صدور القانون العضوي 98- 01 و القانون 98-02 حيث تمّ بموجبهما الفصل بين جهات القضاء العادي ممثلا في المحاكم و المجالس القضائية و المحكمة العليا، وبين أجهزة القضاء الإداري ممثلا في المحاكم الإدارية ومجلس الدولة كما تم إنشاء محكمة للتنازع وصدر قانونها العضوي تحت رقم 98- 03.
وعليه، فإنّ وضع الأساس للقانون الإداري سيكون له فائدة عملية كبيرة إذ ينجر عن توظيف هذا الأساس وتطبيقه معرفة اختصاص إمّا جهة القضاء العادي أو جهة القضاء الإداري، خاصة وأنّ قواعد الاختصاص النوعي تعد من النظام العام بما لا يجوز مخالفتها.


2- من حيث القواعد القانونية الواجبة التطبيق:
لا تنطوي فائدة تحديد أساس للقانون الإداري على معرفة الجهة القضائية صاحبة الاختصاص فقط، بل يتعدّى الأمر أيضا ليمس القواعد القانونية الواجبة التطبيق خاصة إذا نظرنا إلى الاختلاف الكبير بين قواعد القانون الخاص و قواعد القانون العام.
ولقد سبق أن رأينا كيف أن محكمة التنازع في فرنسا و في قرار بلانكو المشار إليه اعترفت بمسؤولية الدولة عن الأضرار التي يتسبب فيها الأعوان العموميين، و مع ذلك أبت أن تخضعها لقواعد القانون المدني، بل أخضعتها لقواعد خاصة وجهة قضاء مستقلة. واعترفت أنّ هذه القواعد تستجيب لمقتضيات المرفق العام.
ومما لاشك فيه أنّ التطوّر الحديث لقواعد القانون الإداري خاصة في الدول التي تبنت نظام ازدواجية القضاء أدى إلى تمييز كبير لقواعد هذا القانون في شتى الميادين سواء في نظام المال أو في نظام التعاقد أو في مجال المسؤولية وأحكامها الأمر الذي صار يتعذر معه يقينا اليوم إخضاع الإدارة في أموالها وعقودها وفي نظام مسؤوليتها المدنية لقواعد القانون المدني دون سواها. و لا مانع من أن تخضع له جزئيا بما يتناسب وطبيعة هذا القانون.

اختلاف الفقه في تحديد أساس القانون الإداري:

اختلف الفقه في فرنسا بشأن تحديد أساس للقانون الإداري يمكن الاعتماد عليه لمعرفة حدود ولاية القضاء الإداري و تطبيق المبادئ و الأحكام المتميزة والّتي لا مثيل لها في مجال روابط القانون الخاص. و يمكن حصر اختلافهم في معيارين هما معيار السلطة العامة و معيار المرفق العام.
ومن المفيد التذكير أنّ معيار السلطة العامة عرف تطورا بين مرحلة وأخرى خاصة بعد أن تعرض للنقد. وذات الأمر حدث بالنسبة لمعيار المرفق العام و هو ما سنفصله فيما يلي:

أولا: معيار السلطة العامة.

يعتبر موريس هوريو (Maurice Hauriou) رائد هذه المدرسة الّتي أطلق عليها بمدرسة السلطة العامة أو مدرسة تولوز وتبعه في هذه الفكرة بعض الفقهاء يأتي على رأسهم الفقيه برتلمي.
وانطلق القائلون بهذا المعيار من مسلّمة أنّ للدولة إرادة تعلو إرادة الأفراد. ومن ثمّ فإنّ لها أن تستعمل أساليب السلطة العامة كأن تنزع ملكية فرد أو تغلق محلا أو طريقا أو تفرض تلقيحا أو أن تنظم حركة مرور أو أن تقيّد حرية فهي (أي الإدارة) إن قامت بهذا النوع من الأعمال وجب أن تخضع لمبادئ وأحكام القانون الإداري كما تخضع في منازعاتها المترتّبة عن هذه الأعمال أمام القاضي الإداري.
و قد اصطلح أصحاب المدرسة السلطة العامة على تسمية هذا النوع من الأعمال بأعمال الإدارة ذات الطابع السلطوي أو أعمال السلطة.(Acte d’autorite) ولا تخضع الإدارة لأحكام القانون الإداري فحسب، بل تخضع أيضا للقانون الخاص و تمثل منازعاتها أمام القضاء العادي. وذلك عندما تنزل إلى مرتبة الأفراد و تباشر أعمالا مدنية أو أعمال الإدارة العاديةActe de) gestion (.
ومن هنا فإنّ ولاية القانون الإداري تم رسم معالمها استنادا لمعيار السلطة العامة. فهو بهذا الوصف قانون السلطة العامة. وأن أحكامه تدور حول هذه الفكرة. وغياب معيار السلطة العامة كفيل بأن يجعل أحكام القانون الإداري غير قابلة للتطبيق مما يفسح المجال دون شك لقواعد القانون الخاص.

تقدير هذا المعيار:
لا شك أنّ مدرسة السلطة العامة أصابت في نظرتها عندما ميّزت بين نوعين من أعمال الإدارة هما أعمال السلطة و الأعمال المدنية. وأصابت أيضا حينما أخضعت أعمالها أحيانا لمبادئ وأحكام القانون الإداري وأحيانا أخرى لقواعد الخاص. ذلك أنّه لا يعقل بحال من الأحوال أن تخضع الإدارة في كل تصرفاتها وأعمالها لأحكام القانون الإداري. فهي إذا نزلت لنفس مستوى الأفراد فقدت امتيازاتها و خضعت لما يخضعون له من قواعد و أحكام.
ورغم دقة هذه النظرية في جوانب معينة، إلا أنها لم تسلم من النقد. ولعلّ أهم نقد وجه إليه من جانب الفقيه جون ريفيرو الّذي يرى أنّه لا يمكن الاستناد على فكرة السلطة العامة لتحديد ولاية واختصاص القانون الإداري، وذلك بسبب أن أعمال السلطة في حد ذاتها تبنى على جانبين أو مظهرين:
فأحيانا يظهر الجانب السلطوي في عمل الإدارة بشكل جلي ومثله أن تعتمد الإدارة إلى نزع ملكية فرد أو تنظيم حركة مرور أو غلق طريق أو فرض تلقيح أو إعلان حالة طوارئ أو حصار أو حظر للتجول. غير أنّ الجانب السلطوي قد يبدو خفيا أو بصورة سلبية فتظهر الإدارة في وضعية أقل حرية من الأفراد، فهي مثلا إذا أرادت التوظيف لجأت إلى تنظيم مسابقة لانتقاء أفضل الكفاءات. وهي إن أرادت التعاقد لجأت لإشهار وإعلام الغير، كما أنها من جهة ثالثة ليست حرة في التصرف في أموالها أو ممتلكاتها. نوضح ذلك كله في الأمثلة التطبيقية التالية:




أمثلة تطبيقية من القانون الجزائري:
1- في مجال التوظيف:
ليست الإدارة العامة في الجزائر حرة في اختيار من تراه مناسبا لتولي وظيفة عامة، بل هي ملزمة إن أرادت التوظيف بإتباع جملة من الإجراءات القانونية جاء تحديدها واضحا خاصة في المرسوم التنفيذي رقم 95- 293 المؤرخ في 30 سبتمبر 1995 المتعلق بكيفيات تنظيم المسابقات و الامتحانات و الاختبارات المهنية في المؤسسات و الإدارات العمومية.
و تطبيقا لهذا النص تلزم الإدارة المعنية قبل مباشرة إجراءات التعيين بالامتثال أولا للقرار الصادر إمّا عن السلطة المكلّفة بالوظيفة العامة أو للقرار الوزاري المشترك بين إدارة الوظيفة العامة و الوزير المعني و الذي يبين الأسلاك و الرتب المعنية بالمسابقة أو الامتحان أو الاختبار المهني وطريقة التوظيف وطبيعة امتحان القبول و عدد الامتحانات و مدتها و معاملاتها و النقاط الاقصائية و تكوين الملف و كيفية الإشهار. وبعد ذلك تبادر السلطة المكلّفة بالتعيين (رئيس البلدية، مدير الجامعة، مدير مركز التكوين المهني...) بإصدار قرار أو مقرّر الإعلان عن المسابقة ليتضمّن على سبيل الوجوب:
- السلك أو الأسلاك المعنية التي تجري من أجلها المسابقات و الامتحانات.
- طبيعة المسابقة (على أساس الشهادة أو الامتحان).
- عدد المناصب المالية المخصصة وفقا لمخطط التسيير السنوي للموارد البشرية.
- الشروط القانونية للمشاركة.
- الزيادات في النقط لفئات محدّدة طبقا للتشريع الجاري به العمل.
- تاريخ بداية التسجيل و انتهاءه.
- مكان إجراء الامتحان و عنوانه.
- شروط الطعن.
ولقد فرض المرسوم التنفيذي المذكور نشر قرارات أو مقررات إجراء المسابقات و الامتحانات و الاختبارات المهنية في شكل إعلانات في الصحافة المكتوبة خاصة فيما يخص الأسلاك التي تعادل رتبة مساعد إداري رئيسي أما الأسلاك الأخرى فيقع إشهارها عن طريق إلصاق إعلانات في وكالات التشغيل أو بأي وسيلة أخرى ملائمة.
وتتم عملية المسابقة أو الامتحان تحت رقابة وإشراف السلطة المكلّفة بالوظيفة العامة على مستوى الولاية المعنية و في مختلف قطاعات النشاط التابع لهذا السلك (الوظيفة العامة).
ومن نصوص هذا المرسوم التنفيذي و نصوص تنظيمية أخرى كثيرة نستنتج أنّ إرادة الإدارة في مجال التوظيف مقيّدة فلا تستطيع أن تدخل في عداد موظفيها شخصا ما بغير إتباع إجراءات التوظيف التي حددتها القوانين و الأنظمة فإرادتها إذن محكومة بالنص.
و على صعيد القانون الخاص نجد الفرد إذا ما كان مالكا لمنشأة أو مقاولة أو مشروع أو متجر يستطيع الاستعانة بالغير لتحقيق مصلحته، دون أن يلزم بمسابقة أو امتحان، ودون إجراءات، ودون رقابة لجهاز مفتشية الوظيفة العامة.
2- في مجال التعاقد (الصفقات العمومية):
إذا كانت إرادة الإدارة مقيّدة في مجال التوظيف تكريسا و تطبيقا لمبدأ المساواة في الالتحاق بالوظائف العامة المكفول دستوريا فإنّ إرادتها أيضا ليست حرة في اختيار المتعاقد معها. بل هي ملزمة طبقا للمادة 20 من المرسوم الرئاسي 02-250 المؤرخ في 24 جويلية 2002 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية بإبرام صفقات الأشغال و التوريد و الخدمات و الدراسات تبعا لطريقة المناقصة بما يفرض اللجوء للإشهار عن طريق الصحافة بغرض الحصول على تعهدات و عروض من جانب المعنيين.
و لقد فصل المرسوم الرئاسي المذكور في بيانات إعلان المناقصة تكريسا لمبدأ الشفافية و المساواة بين المتعهدين. كما أخضع الصفقة لصور شتى من الرقابة الداخلية عن طريق لجنة فتح المظاريف ولجنة تقييم العروض أو خارجية عن طريق لجان لصفقات المختلفة البلدية الولائية الوزارية أو اللجنة الوطنية ورقابة المحاسب العمومي و المراقب المالي.

3- في مجال نظام الأموال:

إذا كان يجوز قانونا للفرد التصرف في أمواله من عقارات و منقولات بكل أشكال التصرف المقرّرة قانونا سواء بالبيع أو الهبة أو الوصية و غيرها. ولم يفرض المشرّع عليه قيودا موضوعية، بشأن حرية التصرّف في ممتلكاته وأخضعه فقط لقيود وضوابط إجرائية الهدف منها تحقيق سلامة التصرف. فإنّه خلاف ذلك فرض قيدا على الإدارة ولم يجز لها التصرف في الملك العام الذي تستخدمه في تحقيق نشاطها.
فلو تصورنا أنّ الدولة و هي أهم شخص معنوي عام ممثلة في وزارة تملك عقارات موزعة على مجموع التراب الوطني. كما هو الحال بالنسبة لوزارة التربية أو وزارة العدل. فلا يجوز لهذين الوزارتين التصرف في الوعاء العقاري المملوك للدولة، وهذا بنقل ملكيته مثلا للأفراد ولو كان بعوض.
بل إن الوزارات و الإدارة المحلية و مختلف المؤسسات العمومية الإدارية ملزمة في حال رغبتها في التخلي عن بعض الممتلكات الخاصة المنقولة بإتباع إجراءات خاصة وإخطار مصالح أملاك الدولة لمباشرة عملية التقويم و الجرد و الإشراف على عملية البيع.
كما لو تصورنا أن الجامعة تريد الاستغناء عن بعض التجهيزات و الأدوات والعتاد القديم كالطاولات و الكراسي و بعض السيارات القديمة، فإن إرادتها مقيّدة في مجال البيع إذ يقع عليها عب ء إتباع الإجراءات وإخطار الجهات المعنية (مديرية الأملاك الدولة) وكذلك أعوان القضاء.
وعاب الفقه عن هذا المعيار أيضا أنه من الصعوبة بمكان وضع ضابط مميز بين الأعمال السلطوية وأعمال الإدارة المدنية لمعرفة القانون الواجب التطبيق. كما عاب البعض عن هذا المعيار أن تطبيقه يؤدي إلى ازدواجية في الشخصية القانونية للدولة، فهي في بعض الحالات تعد شخصا من أشخاص القانون العام و تخضع

للقانون الإداري. و في حالات أخرى تعد شخصا من أشخاص القانون الخاص و تخضع حينئذ لقواعد القانون الخاص.
غير أن الحديث عن الازدواجية القانونية لشخصية الدولة مردود عليه اعتبارا أنه ظاهرة قانونية لا يمكن إنكارها حتى في الدول التي تبنت ازدواجية القضاء إذ نجد الدولة أحيانا تستعمل قناع القانون العام وأدوات ووسائل السلطة العامة، وأحيانا أخرى تنزل إلى مرتبة الأفراد و تمارس أنشطة معهود بهم.
و بتقديرنا الخاص إنّ أهم نقطة ميزت معيار السلطة العامة هو فكرة الازدواجية القانونية للدولة. فلو قرر أصحاب المعيار أنّ الإدارة تخضع فقط للقانون الإداري في كل نشاط أيا كانت طبيعته، لأمكن حينئذ توجيه نقد إليهم أن الإدارة قد تنزل إلى مرتبة الأفراد و يحكمها القانون الخاص (المدني التجاري).

ثانيا: المرفق العام كأساس للقانون الإداري:

يعتبر ليون ديجي Lean Duguit الذي كان عميدا لكلية الحقوق بجامعة بوردو و كذلك جيز Jeze وبونارد Bonnard رواد هذا المعيار. فهم يرون أنّ الدولة ليست شخصا يتمتع بالسلطة و السيادة و السلطان كما ذهب لذلك أصحاب مدرسة السلطة العامة، بل هي مجموعة مرافق عامة تعمل لخدمة المجتمع وإشباع حاجات أفراده.
فالدولة من وجهة نظر القائلين بهذا المعيار عبارة عن جسم خلاياه المرافق العامة. ويقصد بالمرافق العامة مشروعات عامة تتكون من أشخاص وأموال تهدف إلى إشباع حاجة عامة كمرفق الدفاع و السكك الحديدية و التعليم والصحة... وهذه المرافق تتميّز بأنها مشروعات يعجز الأفراد عن القيام بها ولذلك يترك أمرها للدولة.
إنّ فكرة المرفق العام وفق نظرة أصحاب مدرسة المرفق العام هي جوهر القانون الإداري. وإليها ترجع جميع موضوعاته ويتحدّد نطاق اختصاصاته وولايته. فالموظف العام ما كان ليخضع لقواعد خاصة تربطه بالإدارة الحكومية لولا فكرة المرفق العام.
و الإدارة العامة ما كان أن يعترف لها بأحقية نزع ملكية الأفراد لولا فكرة المرفق. فالقانون الإداري على هذا النحو هو قانون المرافق العامة.
ولقد كان لقرار بلانكو الصادر في 8 فبراير 1873 عن محكمة التنازع بالغ الأثر في إظهار فكرة المرفق العام وعلاقتها بالقانون الإداري إذ اعتمد عليها في حيثيات القرار المذكور لتثبيت اختصاص مجلس الدولة و إخضاع الإدارة لأحكام خاصة غير مألوفة في مجال روابط القانون الخاص. ولم تظهر فكرة المرفق في قرار بلانكو فقط، بل في قرارات أخرى كثيرة صادرة عن محكمة التنازع أو مجلس الدولة. ومن القرارات الصادرة عن هذا الأخير مثلا ما يعرف بقضية تيرييه (Terrier) ونظرا لأهميتها هي الأخرى نوجزها فيما يلي:
أعلنت أحد المجالس البلدية عن مكافأة يتم منحها لكل فرد يساهم في حملة التخلص من الأفاعي التي كانت تهدد السكان. وقد أشرفت البلدية على حملة التطهير هذه وخصصت لها غلافا ماليا رصد للمساهمين في العملية المذكورة. وبعد أن ساهم في الحملة السيد Terrier تقدم لمصالح البلدية للحصول على مكافأته غير أنّه فوجئ بالرد من جانب البلدية أنّ الرصيد المالي المخصص للعملية نفذ. وما كان على السيد Terrier إلا أن يتجه للقضاء مخاصما في ذلك المجلس البلدي المذكور.ولما وصل لمجلس الدولة الفرنسي أقرّ هذا الأخير اختصاصه بالنظر في النزاع وهذا في حكمة الشهير بتاريخ 6 فبراير 1903 على أساس أنّ الوعد بالجائزة قد تضمن إيجابا من جانب المجلس البلدي، وأن قيام السيد Terrier بالاصطياد تضمن قبولا. ومن ثمّ يكون بينهما عقد موضوعه التخلص من الأفاعي التي كانت تشكل خطرا على الصحة العامة في المدينة. وهذا العقد في نظر مجلس الدولة تعلّق بمرفق عام. وتوالت فيما بعد الأحكام القضائية المؤيدة لمعيار المرفق سواء الصادرة عن مجلس الدولة أو حتى محكمة التنازع الفرنسية.

- أزمة فكرة المرفق العام:
عندما صدر قرار بلانكو لم تكن الدولة تمارس مهاما تجارية و صناعية بالتالي كانت المرافق إدارية بطبيعتها ولم يكن إخضاع الإدارة للقانون الإداري يثير أي إشكالية بسبب محدودية نشاط الدولة.
غير أنّه وبعد إفرازات الحرب العالمية الأولى وجدت الدولة نفسها مجبرة على القيام بوظيفة الصناعة و التجارة و هذا بفعل تطور الحياة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية فظهر إلى جانب المرافق الإدارية المرافق الاقتصادية.وإذا كان الفقه الغالب قد سلم بإخضاع المرفق الإداري لأحكام متميزة غير معهودة في مجال القانون الخاص، فان الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للمرافق الاقتصادية، وذات التمييز امتد للمجال القضائي إذا دفع التنوع في مهام الدولة القضاء الفرنسي أن ينظر لبعض منازعات الإدارة نظرة خاصة و يخرجها من ولاية القضاء الإداري ويخضعها للقضاء العادي و لقواعد القانون الخاص.
ولعل أبرز ما يمكن الاستشهاد في هذا المجال القرار الصادر عن محكمة التنازع في 22 جانفي 1921 و الخاص بقضية(Bac d’eloka). وقد تعلق هذا النزاع بناقلة بحرية في ساحل العاج اسمها (Bac d’eloka) تعرضت لحادث تسببت في غرق مسافر وإلحاق الضرر بمجموعة عربات.ولما رفع الأمر إلى المحاكم العدلية تمسك ممثل الإدارة بعدم الاختصاص.فعرض الأمر على محكمة التنازع فأقرت الصبغة المدنية للنزاع واختصاص القاضي العادي بالنظر فيه.وأسست قرارها هذا أن الشركة كانت تقوم بوظيفة النقل طبقا لذات الشروط التي يعمل بمقتضاها الأفراد وانتهت من ذلك إلى أنّ غياب نص صريح يعهد الاختصاص للقاضي الإداري فإنّ النزاع يكون من اختصاص القاضي العدلي.
وانطلاقا من هذا القرار انتهى الفقهاء أنّ المرفق العام لم يعد شكلا واحدا، بل وبحكم التطور الّذي حدث في المجتمع الفرنسي وغيره أضحت المرافق أنواع مرافق إدارية و مرافق اقتصادية نتجت عن تدخل الدولة في المجال الصناعي و التجاري. وإذا كان يجب إخضاع المرافق الإدارية لأحكام القانون الإداري استنادا لمجموعة أسباب منطقية وموضوعية، فإنّه بات من غير المعقول تطبيق ذات الأحكام بالنسبة للمرافق الاقتصادية بحكم طبيعة هذا النوع من النشاط.
إنّ المرافق العامة ذات الطابع الاقتصادي تخضع أساسا لأحكام القانون الخاص. فالعقود التي تبرمها المرافق الاقتصادية تكون غالبا من نفس طبيعة العقود التجارية. إذ أنها تخلو من الشروط الاستثنائية على الوجه الشائع و الغالب.كما أنّ عمال المرافق الاقتصادية يخضعون أيضا لتشريع العمل لا لتشريع الوظيفة العامة المطبق على الجهات الخاضعة للقانون الإداري. ومع تزايد المرافق الاقتصادية بحكم تدخل الدولة بات الفقه الإداري سواء في مصر او فرنسا أو الجزائر وغيرها من الدول لا يسلم بفكرة المرافق الاقتصادية لأنها مرافق تحتاج بشأن تيسيرها لقواعد وآليات يطغى عليها مظهر السرعة وهذا خلافا للمرافق الإدارية التي تحكمها إجراءات روتينية و معقدة.
ولا يختلف اثنان أنّ أزمة فكرة المرفق العام أدت إلى زعزعة المعيار و فشله على أن يكون معيارا مميزا للقانون الإداري. وهذا بحكم التوسع الكبير في دائرة المرافق الاقتصادية نتيجة التأميمات التي حدثت خاصة في مصر و الجزائر، الأمر الذي دفع الفقيه الكبير الدكتور ثروت بدوي و هو يتحدث عن أزمة المرفق العام الى القول:
أنّه (أي مدلول المرفق العام) لم يعد إلا كلمة جوفاء خالية من أي مضمون قانوني...).
ومن المؤكد أن عجز أصحاب نظرية ومعيار المرفق على تقديم مدلول واضح ودقيق لمفهوم المرفق العام أثر سلبا على قيمة و مكانة هذا المعيار.
وتأسيسا على ما تقدم أصبحت فكرة المرفق العام عاجزة على أن تكون أداة تمييز بين ولاية القانون الخاص مما فرض مجددا على الفقه التفكير في معيار أكثر حسما وأشد وقعا.

- فكرة المصلحة العامة كأساس للقانون الإداري:
ظلّ مناصرو مدرسة المرفق العام يدافعون عن وجهة نظرهم وذهبوا من زاوية أخرى يبرزون أهمية هذه الفكرة فقالوا إن المرافق العامة وان تنوع نشاطها بين مرافق إدارية وأخرى اقتصادية إلا أن الهدف يظل واحد في كلا النوعين وهو تحقيق المصلحة العامة على حد قول الفقيه مارسيل فالين Marcel Waline. غير أنّ الفقه يكاد يجمع أنّ المرافق الاقتصادية وإن كانت ترمي إلى تحقيق مصلحة عامة، غير أنّه ومع ذلك لا ينبغي إخضاعها لقواعد القانون الإداري. فطبيعة نشاط المؤسسات الاقتصادية تفرض عليها أن تنزل الى مرتبة الأفراد وتتعامل معهم في إطار قواعد القانون الخاص (المدني أو التجاري)، ومن ثمّ ليس هناك أدنى ضرورة لإخضاع نشاطها هذا لأحكام وقواعد استثنائية.
وقد عيب عن هذا المعيار الجديد أن هدف المصلحة العامة هدف يتسم بالإطلاق و المرونة، فليس من السهل تجريد نشاط معين من طابع المصلحة العامة. كما و أن المشروعات الخاصة على اختلاف أنواعها هي الأخرى ترمي لتحقيق مصلحة عامة رغم خضوعها لقواعد القانون الخاص. وهو ما أجمع عليه الفقهاء جميعا، ورغم ما يتسم به المعيار من إطلاق و مرونة إلا أن القضاء الفرنسي لم يهجره تماما بل استند إليه في بعض قراراته. نذكر منها القرار الصادر عن مجلس الدولة بشأن بلدية منسجور.
وتتمثل وقائع هذه القضية في أن قاصرا حاول الصعود على عمود كهربائي بجانب كنيسة فسبب له ضررا نتج عنه عاهة مستديمة. فقضى مجلس الدولة في هذه الدعوى أنّ الكنيسة مملوكة لبلدية منسجور وأنه بالرغم من أنّ الكنائس مرافق مخصصة للعبادة فإنها منفصلة ومستقلة عن الدولة، وأنّ أموالها تظلّ مرصودة وموقوفة لخدمة القائمين بالشعائر التعبدية وأنّ صيانة هذه المباني واجب ينبغي أن يقع على المرافق العامة لاتصال هذا الأمر بالنفع العام.
وما يؤكد النجاح الجزئي لمعيار المصلحة العامة كمعيار متفرع عن معيار المرفق العام أن القضاء الإداري الفرنسي ابتدع ما يسمى بنظرية المرفق العام الفعلي أو الكامن حتى يخضع المشروعات التي أنشأها الأفراد بترخيص من الإدارة لنظام المرافق العامة. وحتى يعطي للإدارة تجاه الأفراد الذين يديرونها سلطات واسعة شبيهة بالسلطات التي تتمتع بها تجاه الملتزمين بالمرافق العامة دون أن تتحمل مخاطر المشروع. وقد أقيمت هذه النظرية على فكرة المصلحة العامة.
وتشير بعض الدراسات أنّ الفقيه مارسيل فالين لم يتمسك بمعيار المنفعة العامة طويلا رغم أنّه مؤسسة، وإنما أدرك ما يعتريه من عيوب وانتقادات حتى أنّه أقرّ بنفسه هذا الأمر وقرر الانضمام إلى معيار السلطة العامة.
ولقد أكد الفقيه فيدل بمناسبة إلقائه لحلقات الدراسات العليا في كلية الحقوق جامعة باريس سنة 1952 حقيقة معيار المنفعة العامة وموقف فالين منه وانضمامه إلى معيار السلطة العامة . ولم تسلم الرؤية الجديدة لمدرسة السلطة العامة من النقد.

- معيار السلطة العامة في وجه جديد:
بعد ظهور المرافق الصناعية و التجارية و تغير موقف القضاء الإداري خاصة إزاء نظرية المرافق عاد معيار السلطة العامة ليؤكد أنّ الفصل بين قواعد القانون الإداري و القانون الخاص يكمن في فكرة السلطة العامة، فالقانون الإداري يكون هو الواجب التطبيق إذا لجأت الإدارة إلى استخدام بعض امتيازات السلطة العامة. وهذا يعني أنّ تحديد ولاية القانون الإداري تبنى بالأساس على الوسيلة التي تستعملها الإدارة.
فإن استخدمت وسيلة القانون العام بأن استعملت بحق امتيازات السلطة العامة خضعت في عملها هذا للقانون الإداري.وان استخدمت وسائل القانون الخاص بأن نزلت إلى مرتبة الأفراد خضعت في تصرفها هذا للقانون الخاص وبالمقابل لجهة القضاء العادي.
ولعل أهم نقد وجه إليها أنها فتحت السبيل واسعا أمام الإدارة وتركت لها قدرا كبيرا من الحرية فهي إن شاءت اتبعت وسيلة القانون العام أو القانون الخاص دون أن تضبطها بمعيار دقيق فاصل بموجبه تستطيع استعمال وسائل القانون العام أو الخاص.

- الجمع بين المعيارين:
لا أحد يستطيع أن يشكك بأن الأخذ بمعيار السلطة العامة لوحده سواء في نظرته التقليدية أو الحديثة أو الأخذ بمعيار المرفق العام أو فكرة المصلحة العامة لوحدها من شأنه أن يوقعنا في سهام النقد السابقة الذكر. و التي تعرض لها كل معيار لذا فان الرأي الصائب يفرض الجمع بين هذين المعيارين دون ترجيح أحدهما عن الآخر.
من أجل ذلك نادى الفقيه أندريه ديلوبادير وكذلك هوريو بضرورة تطبيق معيار مزدوج فأعطى لكل من المعيارين حقه في رسم معالم ولاية واختصاص القانون الإداري. فهو يرى أنّ القانون الإداري لا ينطبق إلا إذا كان الأمر متعلقا بمرفق عام و يتمتع هذا المرفق بامتيازات السلطة العامة في القيام بنشاطاته. وما نستطيع تأكيده اليوم أن الفقه الحديث في فرنسا و خارجها يميل إلى ترجيح المعيار المزدوج لما له من ثقل على المستوى الفقهي.
وإننا في حقيقة الأمر لا ننكر أن الفقيه جورج فيدل انتقد بشدة ما ذهب إليه الفقيه دبلويادير قائلا أن ما فعله هذا الأخير هي محاولة يائسة من أجل ترميم معيار المرفق العام و تؤدي لتعقيدات لا حصر لها.
فالقول بأن وجود مرفق عام شرط ضروري لاعتبار المنازعة إدارية تدخل في اختصاص القضاء الإداري شريطة توافر جملة أخرى من المعايير الجزئية كل هذا يؤدي إلى سلسلة من القواعد و يدخلنا في تعقيدات ليس لها قرار أو نهاية. فلتطبيق هذا المعيار نقول أنّ نشاط المرفق العام ضروري لتطبيق القانون الإداري بشرط أن يكون مرفقا إداريا لا تجاريا و لا صناعيا.
ومن المفيد التذكير أن جهود الفقه متواصلة في فرنسا و مصر و الجزائر و في كل الدول خاصة تلك التي أقرت نظام ازدواجية القضاء وهذا بغرض تحديد معيار دقيق لتحديد ولاية و حدود القانون الإداري.و ليس الأمر على قدر من السهولة و اليسر خاصة أمام اتساع مجال تدخل الدولة لتلبية الخدمات العامة وإشباع حاجات الأفراد من جهة وأمام رغبتها في خصخصة بعض المشروعات العامة من جهة أخرى. ومن المؤكد أنه سيقع على عاتق الفقه الإداري المهمة الثقيلة في إقرار معيار واضح يتماشى مع حركية النصوص و التطور الاجتماعي دون أن ننسى أيضا جهود القضاء الإداري.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abdelghani.tw.ma/
 
ملخص عن اسس القانون الاداري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التواصل القانوني :: مدخل القانون الإداري :: أسس القانون الإداري-
انتقل الى: