عشي علاء الدين
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مفهوم القانون الاداري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abdelghani



عدد المساهمات : 23
تاريخ التسجيل : 06/04/2011
الموقع : http://abdelghani.tw.ma/

مُساهمةموضوع: مفهوم القانون الاداري   السبت أبريل 09, 2011 11:55 am

مفهوم القانون الإداري

لعلّنا لا نبالغ عند القول أنّ فقه القانون عامّة لم يختلف في فرع من فروع القانون بقدر اختلافه حول القانون الإداري. هذا الاختلاف الّذي نجم عنه ظهور مفهوم واسع للقانون الإداري وآخر فني وضيق. وسنتولى في المطلبين التاليين توضيح كل مفهوم لوحده ثمّ نتبع ذلك بتحديد موقف المشرع الجزائري من فكرة القانون الإداري كمجموعة قواعد غير مألوفة في مجال القانون الخاص.

المطلب الأول: المفهوم الواسع للقانون الإداري.

يمكن تعريف القانون الإداري من هذه الزاوية على أنّه مجموعة من القواعد القانونية الّتي تحكم الإدارة العامة من حيث تنظيمها ونشاطها وأموالها وما يثيره هذا النشاط من منازعات.
والقانون الإداري إذا نظرنا إليه من الجانب الوصفي و العضوي أو الهيكلي نجده في كل دولة على اختلاف توجهاتها وأنماط تسييرها. فكل دولة لها جهازها الإداري الّذي يخضع دون شك لقواعد القانون، سواء من حيث التنظيم والنشاط و الأموال و الرقابة و ضبط المنازعات و غيرها من المسائل.
غير أنّ الاختلاف بين الدول تمحور بالأساس هل يجب أن تخضع الإدارة لنفس القواعد الّتي يخضع لها الأفراد، أم أنّه ينبغي ولاعتبارات معيّنة أن تخضع لقواعد متميزة غير مألوفة لدى الأفراد؟
ففي البلاد الأنجلو سكسونية يخضع نشاط الإدارة لذات القواعد الّتي تحكم نشاط الأفراد و الهيئات الخاصة. وهذا يعني أنّ الإدارة تخضع لقواعد القانون الخاص (المدني و التجاري)، وإذا نتج عن هذه العلاقة منازعة خضعت لذات القواعد و الإجراءات الّتي تسري على الأفراد و يفصل فيها أمام نفس الجهة القضائية التي يمثل أمامها كل الأشخاص، لذا فانّ الميزة الأساسية في هذه الدول أنّها نظرت للقانون ككل نظرة واحدة، فهو لا يختلف بالنّظر لطبيعة الشخص (شخص من أشخاص القانون العام أو شخص من أشخاص القانون الخاص). فالقانون واحد لا يتغير بالنظر لطبيعة الشخص.
هذا ويجدر التنبيه أنّ الفقه الإنجليزي ينبذ فكرة القانون الإداري بالمفهوم الفرنسي على اعتباره أنّه من صور تسلّط الإدارة. كما أنّه يشكل انتهاكا صارخا لمبدأ المساواة أمام القانون، ولمبدأ الفصل بين السلطات هذا الأخير الّذي يفرض خضوع الإدارة كالأفراد تماما لنفس الجهة القضائية، فوحدة القانون في نظرهم هي أكبر ضمانة ضد تعسف الإدارة.
ومما يذكر في هذا المجال ما كتبه الفقيه Dicey بخصوص القانون الإداري الفرنسي في مؤلفه مدخل للقانون الدستوري سنة 1839 قال: " إنّ القانون الإداري خطير على الحريات الفردية وإنّه لمن رواسب النّظام السابق للثورة وإنّ البلاد الإنجليزية لا ترغب في أن يكون لها مثل هذا النوع من القانون". و يرى بعض الكتاب أنّ البلاد الإنجليزية وإن كانت قد رفضت فكرة القانون الإداري من حيث المبدأ، إلا أنّها بادرت في المدة الأخيرة إلى إنشاء محاكم خاصة عهد لها مهمة البتّ في منازعات إدارية محدّدة وهذا ما يدل على مؤشر تبنّيها واستقبالها لفكرة القانون الإداري.1
1 أنظر الدكتور عاطف البنا الوسيط غي القانون الإداري دار الفكر القاهرة 1984 ص.41.الدكتور عبد الغني بسيوني عبد الله القانون الإداري الإسكندرية منشاة المعارف1991ص17.الدكتور محمود حلمي موجز مبادىء القانون الإداري القاهرة دار الفكر 1978ص8الدكتور محمد عبد الحميد أبو زيد المرجع في القانون الإداري القاهرة دار النهضة 1999ص.30. الدكتور ثروة بدوي القانون الإداري دار النهضة 2002 ص.الدكتور ماهر جبر نصر الأصول العامة للقانون جامعة المنصورة 2002ص6. 3

و الحقيقة أنّ هذا المسعى لم يعزز بمساع أخرى ولم يحدث ترسيخه إلى حد الآن. ولقد تبعت دول كثيرة انجلترا في توجهها مثل أستراليا و نيوزيلاندا، ودول من العالم الثالث مثل الهند و بعض الدول الإفريقية.
وعلى خلاف ذلك رأت دول أخرى و على رأسها فرنسا أنّه من الضروري التمييز بين القواعد القانونية الّتي يخضع لها الأفراد وسائر أشخاص القانون الخاص، والقواعد الّتي تخضع لها الإدارة. وتأسيسا على هذا الاختلاف و التباين في المواقف وجب أن يكون للقانون الإداري مفهوم واسع شامل مطلق وآخر ضيق فني خاص. ويقصد بالمفهوم الواسع للقانون الإداري: " مجموع القواعد القانونية التي تحكم الإدارة العامة سواء كان مصدرها القانون الخاص أو القانون العام بل وحتى إن كان مصدرها القانون الخاص وحده ". ويترتّب على إعمال هذا المفهوم القول بأنّ القانون الإداري موجود في كل الدول لأنّه لا يتصور وجود دولة دون إدارة عامة.
المطلب الثاني: المفهوم الضيق.

يقصد بالقانون الإداري بالمفهوم الضيق مجموع القواعد القانونية المتميّزة والمختلفة عن قواعد القانون الخاص الّتي تحكم الإدارة العامة من حيث تنظيمها ونشاطها وما يترتّب على هذا النشاط من منازعات.
ومن هنا نخلص إلى القول أنّ القانون الإداري بالمعنى الضيّق هو القانون الإداري الحقيقي الذي نقصده. فهو ليس مجرّد تسمية لقانون يحكم الإدارة العامة، بل هو قانون متميّز يحتوي على أحكام خاصة مختلفة عن قواعد القانون الخاص. وهذا المفهوم هو الذي سيلازمنا من خلال هذه الدراسة.
ولعلّه من الفائدة أن نشير و نحن بصدد توضيح المفاهيم أنّ الإدارة العامة لا تخضع في كل معاملة ونشاط للقانون الإداري وحده، بل قد يحكمها القانون الخاص في مواضع وحالات معينة، ذلك أنّ الإدارة حينما أحيطت بقواعد متميّزة كان ذلك بالنظر لأنهّا تمثل سلطة عامة، و تدير مرفقا عاما، وتمارس نشاطا متميزا، و تستخدم أموالا عامة، و تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة، فان هي فقدت هذا الموقع وابتعدت عن هذا النشاط (النشاط المتميز) خضعت للقانون الخاص ولم تعد هناك حاجة لإخضاعها للقانون العام وإحاطتها بقواعد متميّزة وبقضاء خاص مستقل.
وإذا كان خضوع الدولة للقانون مبدأ مستقر ومسلم به في مختلف الأنظمة على اختلاف أنواعها، فان هذا المبدأ يفرض خضوع الإدارة للقانون، ولا يعد انتهاكا لهذا المبدأ أن تحظى الإدارة بأحكام متميزة غير معروفة في مجال القانون الخاص كما لا يعد مساسا بمبدأ المساواة أمام القضاء أن تحظى الإدارة بقضاء مستقل لأن الدولة أو بعبارة أخرى أدق السلطة العامة تختلف من حيث طبيعتها عن الأفراد. و تبعا للمفهوم الضيّق و الفني للقانون الإداري فان هذا الفرع من القانون يعتني بالجهاز الإداري للدولة فيحكم المسائل التالية:
1- تنظيم السلطة الإدارية: يتكفّل القانون الإداري بتنظيم السلطة الإدارية و تحديد طبيعتها هل هي سلطة مركزية تربط موظفي الأقاليم بتوجيهات وأوامر رؤسائهم الإداريين (تركيز السلطة) أم أنّها سلطة موزعة تباشر كل هيئة مهامها تحت إشراف الجهة الوصية ورقابتها (لامركزية السلطة).
2- نشاط الإدارة: ويتجلى في صورتين:
- الضبط الإداري.
- المرفق العام.
3- أساليب الإدارة: وتظهر في:
- إصدار القرارات الإدارية (نظرية القرار).
- إبرام الصفقات (نظرية العقود).
4- وسائل الإدارة: وتنحصر في الوسيلة البشرية و الوسيلة المادية.
- نظرية الموظف العام.
- نظرية المال العام.
5- منازعات الإدارة: وتشتمل الجهة القضائية المختصة بالفصل في المنازعات ذات الطابع الإداري وكذلك الجوانب الإجرائية الواجبة الإتباع.
المطلب الثالث موقف المشرع الجزائري
سبق القول أنّ القانون الإداري بالمفهوم الفنّي يتضمّن مجموعة قواعد استثنائية غير مألوفة في مجال القانون الخاص تخضع لها الإدارة العامة، وهذه القواعد نشأت عبر مراحل وفرضتها أسباب موضوعية، كما سنوضح ذلك لاحقا.
ومن هنا يطرح السؤال: هل تحققت هذه القواعد الاستثنائية في النظام القانوني الجزائري وما هي صورها؟
لقد تبنى المشرّع الجزائري تدريجيا وبموجب نصوص عديدة فكرة القانون الإداري بالمفهوم الفرنسي كما تأثّر بها القضاء الجزائري، وفيما يلي بيان مظاهر هذا التأثر بإيجاز:
أولا: من حيث النظام القانوني.
إنّ مظاهر تأثر المشرّع الجزائري بنظرية القانون الإداري بالمفهوم الضيق تبرز خاصة من خلال إقراره لنظام تعاقدي خاص يحكم عقود الإدارة العامة شمله قانون الصفقات العمومية.كما تتجلى من خلال تخصيصه فئة الموظفين العموميين بنظام قانوني خاص. وهو ما تجلى في دول عربية كثيرة كمصر وتونس والمغرب والعراق ولبنان وسوريا.

أ- في مجال العقود الإدارية أو الصفقات العمومية
تأثر المشرّع الجزائري منذ فجر الاستقلال بنظرية العقد الإداري الّتي أرسى مبادئها القضاء الإداري الفرنسي ممثلا في مجلس الدولة.
ويتجلى هذا التأثر في إصداره لتقنين خاص يحكم عقود الإدارة العامة تضمنه الأمر 67 – 90 المؤرخ في 17 / 06/ 1967 ومختلف التعديلات الواردة عليه. ولو رفض المشرّع الجزائري نظرية العقد الإداري لأخضع عقود الإدارة للقانون الخاص (المدني والتجاري). أما والحال أنّه خصّها بنص خاص هو أمر 67 – 90 فهذا دليل تأثره بنظرية العقد الإداري. وعدل وتمم بموجب النصوص التالية:
- أمر رقم 69 – 32 المؤرخ في 22 ماي 1969.
- أمر 70 – 57 المؤرخ في 6 أوت 1970.
- أمر 71 – 84 المؤرخ في 29 ديسمبر 1971.
- أمر 72 – 12 المؤرخ في 18 أفريل 1972.
- أمر 74 – 9 المؤرخ في 30 جانفي 1974.

أمر 76 – 11 المؤرخ في 20 فبراير 1976.
ولقد خضعت الصفقات العمومية لنظام قانوني جديد حمله المرسوم رقم 82– 145 المؤرخ ي 10 أفريل 1982 المتضمن صفقات المتعامل العمومي. خاصة وأنّ أمر 67- 90 وصف على أنّ ملامح التأثر بالنّظام الفرنسي بدت فيه واضحة جلية مع اختلاف النظام السياسي و تبنى الجزائر الفكر الاشتراكي في هذه المرحلة وهو ما فرض إصدار مرسوم 82 – 145 لتكريس التوجه الإيديولوجي للدولة.
وبعد المصادقة على دستور الجديد للبلاد لسنة 1989 كان لزاما إعادة النّظر في تنظيم الصفقات العمومية وفعلا تمّ ذلك بموجب المرسوم التنفيذي 91- 434
المؤرخ في 9 نوفمبر 1991 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية.
وما إن عدل دستور 1989 سنة 1996 حتىّ تغيّر تنظيم الصفقات العمومية وهذا بموجب المرسوم الرئاسي 02-250 المؤرّخ في 24 جويلية 2002 المعدل و المتمّم بموجب المرسوم الرئاسي 03-301 المؤرخ في 11 سبتمبر 2003. وهو النّص الجاري به العمل حتى الآن (2008).
وإنّ سلسلة هذه النصوص الصادرة في مراحل سياسية واقتصادية مختلفة، إن دلّت على شيء، فإنما تدل على استيعاب المشرّع الجزائري لفكرة القانون الإداري باعتباره مجموعة قواعد غير مألوفة في مجال القانون الخاص تحكم بالأساس نشاط الإدارة وما يثيره من منازعات.
وبالرجوع لتنظيم الصفقات العمومية الجاري به العمل (المرسوم الرئاسي 02 -250 المذكور) نجد المشرّع قد خصص قواعد خاصة ومميّزة للعقد الإداري، فألزم الإدارة كأصل عام بإشهار رغبتها في التعاقد عن طريق إعلان المناقصة. كما أخضع الصفقة العمومية لإجراءات إبرام طويلة ولنظام رقابي خاص (رقابة داخلية وأخرى خارجية) ولنظام منازعات خاص وهو ما جعلها في النّهاية تختلف اختلافا كبيرا عن العقد المدني و العقد التجاري سيّما وأن الصفقة العمومية تعطي للإدارة المتعاقدة أحقية تعديل الصفقة بصفة منفردة كما تعطيها سلطة لا نجدها مثيلا في مجال القانون الخاص كسلطة الفسخ وتوقيع الجزاء بما يؤكد الطابع الاستثنائي و الخاص و المميّز و الغير مألوف للقانون الإداري باعتباره فرعا من فروع القانون العام.

ب- في مجال الوظيفة العامة:
تأثّر المشرّع الجزائري عند صياغته للأمر رقم 66- 133 المؤرخ في 12 جوان 1966 المتضمّن القانون الأساسي للوظيفة العامة بقانون الوظيفة العامة الفرنسي لسنة 1959 خاصة فيما يتعلّق بالشروط الواجب توافرها لاعتبار الشخص موظفا عاما وبإجراءات التوظيف.
واستبدل المشرّع هذا الإطار القانوني الخاص بالوظيفة العامة بإطار قانوني جديد حمله مرسوم 85- 59 المؤرخ في 23 مارس 1985 المتضمّن القانون الأساسي النموذجي لعمال المؤسسات و الإدارات العمومية.
وعزّز المرسوم الجديد بسلسلة من النّصوص تضمنها مراسيم كثيرة أهمها المرسوم التنفيذي رقم 89 – 224 مؤرخ في 5 ديسمبر 1989 يتضمن القانون الأساسي الخاص المطبق على العمال المنتمين إلى الأسلاك المشتركة للمؤسسات و الإدارات العمومية. وعدل وتمم بمراسيم تنفيذية أخرى سنة 1990 و 1991 و 1994.
وبتغير المعطيات الداخلية وكذلك النظام السياسي خاصة بعد ظهور التعديل الدستوري لسنة 1996 كان لزاما على المشرّع أن يعمل على إرساء قواعد جديدة للوظيفة العامة تلائم المحيط السياسي و القانوني الجديد و تستجيب لتطلّعات و طموحات فئة واسعة في المجتمع الجزائري هي فئة الموظفين العموميين.
وهو ما طالب به نواب المجلس الشعبي الوطني ومختلف النقابات التي تنشط في مجال الوظيفة العامة. وفعلا حدث ذلك بموجب الأمر رقم 06-03 المؤرخ في 15 جويلية 2006 المتضمّن القانون الأساسي العام للوظيفة العمومية المنشور بالجريدة الرسمية العدد رقم 46 لسنة 2006.
وقد حددت المادة الثانية منه مجال تطبيقه فشمل المؤسسات العمومية والإدارات المركزية في الدولة و المصالح غير الممركزة التابعة لها و الجماعات الإقليمية (الولاية و البلدية) و المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، والمؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي و الثقافي و المهني و المؤسسات العمومية ذات الطابع العلمي والتكنولوجي، وإنّ تخصيص تشريع متميّز يحكم فئة الموظفين العموميين دون سواهم وعدم إخضاع هؤلاء لقواعد قانون العمل يحمل دلالة واضحة أن المشرع الجزائري تبنى نظرية القانون الإداري فخص فئة الموظفين بتشريع خاص يبين سبل الالتحاق بالوظيفة العامة و شروطها ويحدد حقوق و واجبات الموظف العام ويعلن عن هياكل التسيير و الوصاية في مجال الوظيفة العامة وينظم المسار المهني و الوضعيات القانونية للموظف.

ج- على مستوى الممارسة القضائية:
تتميّز نظرية القرار الإداري بأنها نظرية من منشأ قضائي صاغ أحكامها ومبادئها مجلس الدولة الفرنسي. فهي نظرية غير قابلة كأصل عام للتقنين والحصر بحكم طبيعتها. ورغم الجهود المبذولة في مختلف الأنظمة القانونية، إلا أنّ الفكر القانوني لم يتوصل إلى اليوم إلى تقنين نظرية القرار الإداري في منظومة خاصة تماثل قانون الصفقات العمومية.
وطالما كانت نظرية القرار الإداري غير قابلة بطبيعتها للحصر و التقنين، فإنّ إرساء معالم القرار الإداري وأحكامه يعود للقضاء الإداري ممثلا في الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا سابقا و مجلس الدولة حاليا.
ورجوعا لاجتهادات الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا نجدها تبنّت فكرة أعمال السيادة ذات المنشأ القضائي الفرنسي رغم عدم تبني المشرّع الجزائري لهذه الفكرة. ويتجلى ذلك في قرارها الصادر بتاريخ 07 /01 /1984 إذ اعتبرت الغرفة الإدارية سحب عملة من التداول بمثابة قرار حكومي لا يقبل الطعن فيه قضائيا .كما تأثر مجلس الدولة الجزائري بمجلس الدولة الفرنسي في صياغته للكثير من أحكام القرار الإداري من ذلك قراره الخاص بتبليغ القرارات الإدارية إذ رفض المجلس المذكور التبليغ بواسطة البريد الموصي عليه. وقراراته الخاصة بحالات تجاوز السلطة وقراراته الخاصة بتبني نظرية العلم اليقيني.
إنّ تأثّر القضاء الجزائري بالمصدر التاريخي المتمثّل في القضاء الفرنسي نجم عنه نقل أحكام ومبادئ القانون الإداري من فرنسا إلى الجزائر ليس في مجال القرار الإداري بل في مجالات أخرى كثيرة كالمسؤولية الإدارية والضبط الإداري والمرفق العام وامتيازات السلطة العامة وهو ماساهم إيجابا في تكوين أحكام القانون الإداري الجزائري.
ثانيا: من حيث طبيعة النّظام القضائي.

مرّ نظام المنازعات الإدارية في الجزائر بمراحل كثيرة مختلفة من حيث طبيعة القواعد ومن حيث النظام القانوني المطبق على المنازعة الإدارية.
ففي المرحلة الأولى (1962 إلى 1965) تمّ الإبقاء على المحاكم الإدارية الابتدائية الّتي أنشأتها فرنسا أثناء العهدة الاستعمارية في كل من وهران و الجزائر و قسنطينة. بما يعني أنّ المشرّع الجزائري في هذه المرحلة تبنّى نظام الازدواجية القضائية على مستوى البنية القضائية القاعدية ففصل عضويا بين المحاكم الإدارية و المحاكم العادية أو محاكم القضاء العادي أو العدلي كما يطلق عليه. ولو لم يكن في الحقيقة خيارا إراديا واستيعاب فكرة الازدواجية بقدر ما كان مجرد حل لفترة مؤقتة أو انتقالية ريثما يتم التفكير في إنشاء نظام قضائي جديد يلائم فلسفة الدولة وطبيعة نظامها السياسي. وإذا كان المشرّع في هذه المرحلة أبقى على المحاكم الإدارية الثلاث تطبيقا للقانون 62-157 والّذي قضت أحكامه بالاستمرار في تطبيق القوانين الفرنسية فيما عدا ما يتنافى و السيادة الوطنية، إلا أنّه من جهة أخرى وعلى مستوى جهة القضاء العالي نجده قد أعلن عن إنشاء المجلس القضائي الأعلى بموجب الأمر رقم 63 – 218 المؤرخ في18 جوان 1963 ليعهد إليه المهمة المنوطة بمحكمة النقض الفرنسية (في المجال القضاء العادي) ومهمة مجلس الدولة (في مجال القضاء الإداري).
وبهذا الإصلاح الجزئي جعل المشرّع الجهة القضائية العليا واحدة بالنسبة لمنازعات القضاء العادي و الإداري . فتحققت الازدواجية القضائية على مستوى البنية القاعدية حيث تمّ الفصل بين المحاكم الإدارية والمحاكم العادية. وتمّ التوحيد على مستوى جهة القضاء العالي. وهكذا بدى المشرّع الجزائري متأثرا بفكرة خصوصية المنازعة الإدارية فأنشأ لها هيكلا خاصا على مستوى المجلس القضائي هو الغرفة الإدارية. هذه الأخيرة التي عرفت توسعا وامتدادا بين مرحلة وأخرى حيث تم رفعها إلى 20 غرفة سنة 1986 ثمّ إلى 31 غرفة سنة 1990 ثمّ ارتفعت إلى 35 غرفة إدارية وهو العدد الحالي قبل تنصيب المحاكم الإدارية.
وقد حدثت النقلة النوعية سنة 1996 بمناسبة التعديل الدستوري حيث أعلن المؤسس الدستوري عن إنشاء مجلس للدولة وهذا بموجب المادة 152 من الدستور والتي جاء فيها:
"...يؤسس مجلس دولة كهيئة مقومة لأعمال الجهات القضائية الإدارية...".
وتكريسا وتطبيقا لهذا النص الدستوري صدر القانون العضوي 98 – 01 المؤرّخ في 30 ماي 1998 المتضمّن اختصاصات مجلس الدولة وتنظيمه وعمله ، كما صدر القانون 98 -02 بنفس التاريخ المتضمن المحاكم الإدارية. وتوّج هذا الإصلاح الإداري بالإعلان عن إنشاء محكمة تنازع الاختصاص وهذا بموجب القانون العضوي 98- 03 المؤرخ في 3 جوان98.
وبهذا الإصلاح على مستوى الهياكل القضائية حدث الفصل العضوي بين الجهات القضاء العادي ممثلة في المحاكم و المجالس القضائية و المحكمة العليا وجهات القضاء الإداري ممثلة في المحاكم الإدارية ومجلس الدولة.
واقتضى هذا الإصلاح القضائي إصدار مجموعة من النصوص التنظيمية نذكر منها خاصة:
1- المرسوم الرئاسي 98- 187 المؤرخ في 30 ماي 1998 المتضمن تعيين أعضاء مجلس الدولة (الجريدة الرسمية رقم 44 لسنة 1998).
2- المرسوم التنفيذي رقم 98- 261 المؤرخ في 29 أوت1998 المحدد لأشكال الإجراءات وكيفياتها في المجال الاستشاري.
3- المرسوم التنفيذي رقم 98- 322 المؤرخ 13 أكتوبر 1998 المحدد لتصنيف وظيفة الأمين العام لمجلس الدولة.
4- المرسوم التنفيذي 98-323 المؤرخ في 13 أكتوبر1998 المتضمن نوع البدلات الخاصة بقضاة مجلس الدولة.
5- المرسوم التنفيذي 98- 356 المؤرخ في 14 نوفمبر 1998 المتضمن كيفيات تطبيق القانون 98- 02.
ولا شك أنّ وراء تبني نظام الازدواجية القضاء أسباب كثيرة وموضوعية دفعت السلطة إلى هجر نظام الوحدة واعتماد النظام الجديد. وينبغي الإشارة أنّ الأسباب الّتي سنذكرها هي نتاج اجتهاد منا واجتهاد مجموعة من الباحثين أيضا، ويعود مرد هذا الاجتهاد إلى استخلاص أسباب معينة من خلال تصريحات رسمية أو فقرات واردة في مواد من الدستور أو القوانين العضوية و القوانين الجديدة، ويمكن حصر هذه الأسباب فيما يلي:



1- تزايد المنازعات الإدارية:
إنّ الدارس لدائرة المنازعات الإدارية يجدها تتسع يوما بعد يوم وهذا ما يلاحظه العام والخاص. فكثيرة هي الدعاوى التي رفعت ضد البلديات بعددها الكبير (1541) و الولايات (48) و الوزارات و الهيئات الإدارية المستقلة.
ولقد أفصح السيد وزير العدل أمام مجلس الأمة في جلسة يوم 21 مارس 98 عن هذا السبب بقوله: " إنّ مهمة الفصل في تنازع الاختصاص بين مختلف الجهات القضائية قد أسندت إلى المحكمة العليا، إلا أنّ الواقع العلمي وتزايد النزاعات الإدارية و تعقيدها نتيجة التطور السريع للمجتمع كل هذا أدى إلى ضرورة إعادة النظر في النظام القضائي السائد".
ومن المؤكد أنه يقف وراء هذا السيل من الدعاوى الإدارية المرفوعة ضد الجهات المختلفة (مركزية ومحلية ومرفقيه) عدة أسباب يأتي على رأسها الصحوة القانونية التي عرفها المجتمع الجزائري خاصة بعد اعتماد تطبيق نظام التعددية الحزبية المعلن عنها بموجب دستور 1989 والذي كان له الأثر العميق في إزالة الخوف من الإدارة وأنها لم تعد تشكل شبحا مرهبا لا ينبغي الاقتراب منه كما كان الحال في زمن الأحادية الحزبية. وصدور منظومات قانونية أخرى كقانون الإعلام.

2- عدم تحكم القاضي العادي في المنازعات الإدارية:
إنّ المنازعات الإدارية تتميّز عن سائر الخصومات المدنية و الشخصية والتجارية و العمالية و البحرية و غيرها بما يلي:
أ- من حيث الأطراف:
إنّ أطراف المنازعة الإدارية طبقا للمادة 800 و801 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية لسنة2008 هي الدولة الولاية أو المصالح غير الممركزة للدولة أو البلدية أو المؤسسة العامة ذات الصبغة الإدارية، وهو ما يجعل للمنازعة طابعا خاصا.
ب- من حيث الموضوع:
إنّ لموضوع المنازعة الإدارية في كثير من الأحيان صلة بالمصلحة العامة (وظيفة عامة، صفقة عمومية، نزع ملكية للمصلحة العامة، ضبط إداري...).
ج - من حيث القانون الواجب التطبيق:
إذا كان القاضي العادي في الغالب الأعم قاضيا تطبيقيا يطبق النّص التشريعي الذي يحكم الخصومة التي بين يديه، فان القاضي الإداري قاضيا منشأ في الغالب للقاعدة التي سيطبقها على المنازعة التي بين يديه . وعلى حد قول الدكتورة سعاد الشرقاوي: " إنّ القانون العام لم يبلغ درجة من الثبات تكفي لتنفيذ ما حدث بالنسبة للفروع الأخرى التي تمّ فيها التقنين، ذلك أنّ القانون العام دائم التطور واختلاف الدور بين القضاء العادي و بين القضاء الإداري فرض استقلالية الأول عن الثاني ليتفرغ القاضي الإداري للفصل في المنازعات الإدارية دون سواها و يتعمق فيها.
د- من حيث الزمن المخصص للفصل في المنازعة الإدارية:
لما كان القاضي الإداري في الوضع الغالب قاض منشئ للقاعدة التي تحكم النزاع، فإنّ إنشاء وإحداث هذه القاعدة يأخذ بلا شك زمنا طويلا يستغله القاضي في البحث المعمّق والجاد من أجل إبداع القاعدة وتطبيقها على المنازعة التي بين يديه. ففي فرنسا دلت الإحصاءات الرسمية المنشورة في المجلة الفرنسية للقانون الإداري في شهر جانفي و فيفري 1996 أن معدلات الفصل في المنازعات الإدارية هي كما يلي:
- على مستوى المحاكم الإدارية معدل الفصل وصل إلى سنتين.
- على مستوى محاكم الاستئناف معدل الفصل أربعة عشر شهرا.
- على مستوى مجلس الدولة تجاوز المعدل السنتين.
وإذا كنّا نلتمس العذر للقضاة الإداريين في فرنسا وغيرها من الدول التي تبنت نظام الازدواجية بحكم خصوصية المنازعة الإدارية كما تقدم البيان، وبحكم الدور الريادي للقاضي الإداري، إلا أن البط ء بالفصل في المنازعات الإدارية تسبب للدولة الفرنسية في مقاضاتها أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على أساس الفصل السادس فقرة أولى من المعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان وصدر ضدها حكم بتاريخ 28 أفريل 1994، وهو ما دفع السلطة الفرنسية في 8 جويلية 1995 إلى الاهتمام أكثر بالمحاكم الإدارية و تعزيزها بالجانب البشري حيث تم انتداب 180 قاضيا و 200 موظفا على مستوى المحاكم الإدارية حتى تؤدي الدور المنوط بها على صعيد المنازعات الإدارية . و حتى تغيّر السلطة الفرنسية القناعة التي سادت في زمن طويل أن البط ء في الفصل في المنازعات الإدارية أضحى يشكل ظاهرة صحية لا تنفرد بها فرنسا، و لا ينبغي أن تشد النظر، وأن تبعث غرابة أو تساؤلا أو دهشة لدى المتقاضين، و عموما لدى المتعاملين مع هذا النوع من القضاء.
إنّ الزمن المخصص للفصل في المنازعة الإدارية وطول البت فيها يقتضي أن يستقل القاضي الإداري عن جهة القضاء العادي ليتفرّغ للفصل في المنازعة الإدارية و هي من أعقد وأصعب أنواع المنازعات.
ولقد صرّح السيد وزير العدل أمام أعضاء الغرفة الثانية شارحا الأسباب التي دفعت السلطة إلى تبني نظام الازدواجية بالقول: "...إنّ القضاء الموحّد يتجاهل وضع الإدارة ومقتضيات الصالح العام..." وكأنّه بذلك يريد القول أنّ القاضي العادي إذا تولى الفصل في المنازعة الإدارية، فانّه سيفصل فيها بروح وفلسفة القانون الخاص وآلياته و تقنياته و ليس القانون العام، هذا الأخير الّذي يضمن للإدارة مركزا متميّزا ولا يجعلها على نفس درجة الأفراد حتى أمام القضاء. و يخشى أن ينقلها للقانون العام وتحديدا للقانون الإداري، وبذلك يحدث التقارب بين القانون العام والقانون الخاص رغم سعة مجال التمييز بينهما.
إنّ القضاء الإداري في فرنسا ممثلا في مجلس الدولة حين استبعد القانون الخاص ورفض أن يتخذ منه مرجعا لحسم المنازعات المعروضة عليه، كان عليه أن يقدم بديلا عن ذلك يراه أكثر مسايرة لنشاط الإدارة وأهدافها، وهذه الأحكام أصبحت في مجموعها شيئا فشيئا تشكل ما يعرف اليوم بالقانون الإداري.
ورغم صدور تشريعات كثيرة في زمننا اليوم تتضمن الجوانب المتعلقة بالإدارة العامة من حيث تنظيمها وموظفيها وأموالها ومنازعاتها و قراراتها وصفقاتها، إلا أنّ ذلك لم يفقد القضاء مكانته، بل لا زال يمارس دورا لا يستهان به في مجال إرساء قواعد القانون الإداري، واليه يرجع الفضل في الكشف عن كثير من القواعد و حسم كثير من الإشكالات.
ولقد مكنت ميزة عدم التقنين، و محدودية دور العرف القضاء الإداري من أن يلعب دورا إنشائيا وإبداعيا لأحكام ومبادئ القانون الإداري، لأنّه كثيرا ما يصطدم بحالة عدم وجود نص يحكم النزاع الذي بين يديه، بل و حتى إذا تأثّر القاضي الإداري بقاعدة من القانون الخاص يظل بذلك ينشئ قاعدة و في هذا المعنى قال الفقيه (Pequinot (: "..... إذا تأثر القاضي الإداري بقاعدة من القانون الخاص وأراد أن يطبقها على النّزاع المعروض عليه، فإنّه لا يطبقها نظرا لقوتها القانونية أو كقاعدة من القانون الخاص، وإنمّا يطبقها كقاعدة عادلة وملائمة للنزاع ومع هذا يمكن له تغيير هذه القاعدة بما يلاءم نشاط الإدارة أو يستبعدها كلية.
لاشك أن جميع القضاة يعلمون علم اليقين أنّ ما صلح لأشخاص القانون الخاص لا يصلح بالضرورة لأشخاص القانون العام كالدولة و الولاية و البلدية. ومن هنا فإنّّ القاضي العادي الذي يعمل في الغرفة المدنية أو قاضيا للأحوال الشخصية أو قاضيا عماليا أو تجاريا إذا عهدنا له الفصل في المنازعات الإدارية فلعله يتأثّر و هو يفصل في هذا النوع المتميّز من الدعاوى بالقانون الخاص، وهذا أمر يجرّنا إلى نقطة فرعية أخرى تفرض نفسها و هي تخصص القضاة أو القضاء التي سنأتي لشرحها فيما يلي:

3– تجسيد فكرة تخصص القضاء أو القضاة:
يفرض علينا دراسة هذا السبب التطرّق لأهمية نظام تخصص القضاء وضرورته و مفهومه مزاياه و موقف المؤتمرات الدولية منه.
أهمية نظام تخصص القضاء و ضرورته:
إذا كان القانون ينقسم إلى عام وخاص، وكل قسم ينقسم بدوره إلى فروع كثيرة و متنوعة وكل فرع يحتوي على سيل من النصوص و الأحكام، فإنّ الإحاطة الشاملة و الدقيقة بكل هذه الأقسام و الفروع تعد ضربا من ضروب المستحيل خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حركة النصوص المستمرة و حركة الاجتهاد القضائي. و حسبنا الإشارة أنّنا نعيش اليوم في زمن الدقّة و التخصّص. فمن اهتم بخلية واحدة من العلم والمعرفة زاد تمكّنه فيها وتمرسه عليها وصح اجتهاده وكان النّجاح حليفه.
وعليه نؤكد في بداية الأمر أن إلمام القاضي بكل النّصوص و تحكمه في فروع القانون و شعبه المختلفة بما تحمله هذه الفروع من اختلافات كثيرة وتباين في الأحكام، مسألة لا يمكن أن تتحقق في الواقع العملي.ولا يمكن للقاضي أن يكون دائرة معارف واسعة يعلم كل صغيرة وكبيرة في علم القانون الواسع و المتشعّب و الممتد لأن ذلك لا يمكن أن يخطر ببال عاقل ولأنّ القاضي بشر وله طاقة محدودة كغيره من الناس و لا يمكن أن يكون نثقل عليه مالا تتحمّله إرادة البشر. وما قيل عن القضاء يقال عن فقه القانون، فالفقيه المهتم بالقانون الدولي العام، نظرياته ودراسته يغنيه اهتمامه هذا على أن يصرف الهمة لنوع آخر من الدراسات. والفقيه المهتم بالقانون الإداري يختص بهذا النوع من الفقه فيتعمق في نظرياته و يبحر في أحكامه و مبادئه و هكذا.
وبالنتيجة فإنّ تخصّص القاضي في قسم معين من القضاء مسألة تساعد القاضي نفسه على التعمّق أكثر في فرع محدّد دقيق من المنازعات بما يكسبه تأهيلا كبيرا بحكم تعوده على النّظر في نوع معين من النصوص، و تعمقه في الدراسات الفقهية واجتهادات القضاء التي تحيط بموضوع تخصصه.
مفهوم تخصص القضاء أو القاضي:
يقصد بتخصّص القاضي تقييده بالنّظر في منازعات فرع محدّد وواحد من فروع القضاء المختلفة له تشريعاته الخاصة وله فقهه الخاص بحيث يسهل عليه فهم كل ما يثور من مشاكل معينة داخل فرع معين فهما دقيقا و متعمقا.
مزايا تخصص القضاء أو القاضي:

ممّا سبق يمكن إجمال مزايا نظام التخصص فيما يلي:

- تمكين القاضي من الإلمام بنوع معين من النصوص: لا شك أنّ أول ميزة يكلفها نظام تخصّص القضاء هو أنّه يمكّن القاضي من الإلمام بنوع محدّد من النصوص بما يجعله أكثر تعمّقا في الكشف عن مقاصد المشرّع و خفايا هذه النّصوص.
- تمكين القاضي من متابعة الدراسات الفقهية في مجال محدّد: إنّ القاضي المهتم مثلا بالمجال الإداري يفرض عليه تخصصه القضائي من أن يتبع حركة الدراسات الفقهية ليعلم ما استجد من أمور في دائرة الفقه. وهو ما يؤدي في النّهاية إلى تنمية قدراته القانونية ورفع مستوى تأهيله.
- تمكين القاضي من متابعة الدراسات الفقهية في مجال محدد: متى تخصص القاضي في نوع محدد من القضايا، وتعود على تطبيق نوع معيّن من النصوص التشريعية، و تابع الدراسات الفقهية في مجال تخصصه، وجب عليه بالمقابل أن يتبع حركة الاجتهاد القضائي في مجال محدد من المنازعات التي تعود النظر فيها ليكشف عن موقف الجهة القضائية المنوط بها صلاحية الاجتهاد بشأن تفسير نص معيّن مثلا.
تمكين القاضي من تقديم مردودية أفضل: لا يخفى على أحد في عصرنا الحاضر تزايد عدد المنازعات المعروضة على القضاء و تنوعها. وواكب هذا تعدد القوانين و تطورها المستمر، بحيث أضحى من غير المتصوّر أن تعرض على القاضي في جلسة واحدة و جلسات مجموعة من القضايا تحكمها نصوص مختلفة و متباينة لأن ذلك يفترض كما قال الدكتور أحمد السيد صاوي وجود القاضي الموسوعة وهذا فرض غير واقعي . بل وحتى ولو سلّمنا بوجود هذا النّوع من القضاة فإنّهم سوف لن يجدوا من الوقت و الجهد ما يمكنهم من ملاحقة سيل القوانين، وهذا أمر سيعود بالضرر على المتقاضين أنفسهم لأنه أمام سيل القوانين و كثرة الملفات سيضطر القاضي إما للتعجيل في إصدار الأحكام دون رؤية. وإمّا أن يتروى فيترتب على ذلك تأخير الفصل في المنازعات و في الحالتين لا تستقيم العدالة. من أجل ذلك عمدت كثير من الأنظمة القضائية إلى الأخذ بنظام تخصص القضاء رغم ما يفرضه من إمكانات مادية و بشرية.
موقف المؤتمرات الدولية من نظام تخصص القضاء:
نظرا لأهمية فكرة التخصّص فقد أفرد لها الإتحاد الدولي للقضاة العديد من المؤتمرات منها مؤتمر روما (من 11 إلى 13 أكتوبر 1958) ومؤتمر نيس (من 4 إلى6 أكتوبر 1972) و مؤتمر ريو ديجانيرو (من 28 إلى 2 ديسمبر 1978).
وعلى صعيد آخر صدرت كثير من التوصيات عن مؤتمرات كثيرة منها المؤتمر الدولي السابع لقانون العقوبات الّذي عقد في أثينا سنة 1957 و الّذي أوصى "...أنّه كي يمارس القاضي الجنائي سلطته التقديرية على نحو سليم ينبغي أن يكون قد تلقى تأهيلا ودراسة جنائية مناسبة..." وتأكّد هذا الأمر في المؤتمر الدولي لقانون العقوبات المنعقد في نشبونة 1966 الّذي أشار إلى ضرورة تحقيق التكوين العلمي للقاضي الجنائي وإحاطته بالمعلومات الضرورية عن مختلف العلوم الإنسانية، بل وأكثر من ذلك دعى بعض الفقهاء إلى ضرورة تفريع القضاء الجنائي إلى دوائر متخصصة في جرائم المخدرات وأخرى للاختلاسات و غيرها.
ففي كل مرة وبحسب ما تشير إليه توصيات الإتحاد الدولي للقضاة كان مندوبو الدول المختلفة يثيرون مسألة التخصّص في مجال القضاء و يركزون على دورها وأهميتها في رفع مستوى العمل القضائي لأنّهم أعلم من غيرهم من أنّ القاضي لا يستطيع أن يعمل بالموازاة في كل دوائر القضاء و هياكله المختلفة لأنّ لكل فرع قضاياه و مميزاته، وإذا تخصّص القاضي في نوع محدّد من القضايا وجب أن نعمل على إعداده و تكوينه وإخضاعه لفترات تدريبية كلما اقتضى الأمر ذلك.
ولاشك أنّ المشرّع الجزائري وهو يفصل بين جهة القضاء العادي و القضاء الإداري أراد أن يعطي فرصة للقاضي الإداري خاصة ليتفرغ للبت في نوع محدّد من المنازعات ليزداد علمه بها، وتمرسه عليها، بما يحقّق للقطاع مردودية أفضل تعود على المتقاضين و على العدالة ذاتها.
4- توفر الجانب البشري:
شكلت هجرة القضاة الفرنسيين و عودتهم إلى وطنهم عائقا بالنّسبة للسلطة العامة فعمدت إلى إتباع نظام وحدة القضاء، ولو بأسلوب متميّز باعتباره نظاما بسيطا غير معقّد و لا يتطلب كفاءة عالية لدى القضاة. ولا يتطلب أيضا هياكل قضائية كثيرة.
و الآن وبعد تجربة أكثر من ثلاثة عقود من الزمن على مستوى المؤسسة القضائية، وبعد أن تعززت هذه الأخيرة بالجانب البشري، والتحق بها مئات القضاة، مكّن ذلك السلطة العامة من أن تفصل بين جهة القضاء العادي و القضاء الإداري، فالإحصاءات الرسمية حتى سنة 1998 تشير أنه يوجد عبر التراب الوطني 2364 قاضيا و 170 محكمة و 31 فرع محكمة و 31 مجلسا قضائيا، وسطرت الوزارة المعنية سنة 1997 برنامجا لفتح 17 مجلسا قضائيا جديدا.
ولقد أشار السيّد رئيس مجلس الدولة في أول تدخل له بمناسبة افتتاح السنة القضائية 98- 99 إلى بعض الأسباب الّتي أدت إلى إنشاء مجلس الدولة بقوله: " وبسبب الصعوبات الّتي عرفتها البلاد بعد الاستقلال، خاصة نقص الإطارات، فانّ المشرّع رجّح التنظيم القضائي الموحّد وفي ظل هذا النظام كان القاضي يفصل في المنازعات القائمة بين الأشخاص ويفصل أيضا في المنازعات القائمة بين الأشخاص و الإدارات".
إنّ ضرورة تنظيم دولة عصرية، وتزايد في عدد القضايا وخصوصياتها، أدى بالسلطات العمومية إلى إنشاء قضاء مزدوج. وراح بعد تبيان الأسباب يوضح أهداف الإصلاح القضائي الجديد ولخصه في:
- احترام الحريات الفردية والجماعية للمواطنين.
- احترام الحريات السياسية التي تفرضها الديمقراطية.
- احترام الفصل بين السلطات.
- جعل القانون فوق الجميع بالنسبة للمواطنين و الإدارة على حد سواء. وحسب تصريح مجلس الدولة فان عدد القضايا المرفوعة أمامه في تزايد مستمر فخلال الثلاث السنوات الأخيرة بلغ عدد القضايا التي فصل فيها مجلس الدولة 1551 من أصل 1874 قضية مسجّلة احتلت فيها وزارة التربية المرتبة الأولى من حيث القضايا المسجّلة و المقدّرة بـ 926 فصل فقط في 769 منها.
5- تطور للمجتمع الجزائري:
لقد عرف المجتمع الجزائري تحوّلات كبيرة على الصعيد السياسي والاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي خاصة بعد المصادقة على دستور 1989 و التعديل الدستوري لسنة 1996 وهذا التغيير الّذي شهد تنوّعا كبيرا في المبادئ والأحكام.
فعلى الصعيد التشريعي تمّ الانتقال من نظام الغرفة الواحدة المعمول به منذ الدستور الأول للبلاد إلى نظام الغرفتين الّذي أقرّ ابتداء من دستور 1996. وفي مجال الحقوق الأساسية تم الإعلان على حريات وحقوق جديدة لم تكرس في الدساتير السابقة من قبيل ذلك حرية الصناعة و التجارة التي أقرّت بموجب المادة 37 من الدستور، وكذا حياد الإدارة موضوع المادة 23 من الدستور كضمانة أساسية لعدم تعسفها أو ميلها و تحيزها و دعمها لاتجاه سياسي معين.
وبإقرار التشريع الأساس و تغيير مبادئه وأحكامه شهدت البلاد تغييرا على مستوى المنظومة القانونية في المجال الاقتصادي و المالي فمسّ التغيير و التعديل قانون الاستثمار و الضرائب وقانون الجمارك والقانون البحري و قانون القرض والنقد و القانون المدني و القانون التجاري و القانون الجوي و غير ذلك من النصوص كثير.
وإزاء هذه الثورة التشريعية الّتي عاشها المجتمع الجزائري في مختلف المجالات كان لزاما على المشرّع واستكمالا لسلسلة ومسار الإصلاح التشريعي أن يعلن عن استقلالية القضاء الإداري عن القضاء العادي.
6- أسباب علمية وقانونية:
إنّ نمط القضاء الإداري بالشكل الّذي كان سائدا في ظلّ النظام القضائي الموحد نتج عنه وبحسب التصريحات الرسمية الكثير من العقبات من النّاحية الإجرائية و القانونية و هذه الإشكالات تسبب من وجهة نظر البعض في ظهور هذا الإصلاح و هذا التعديل. . إنّ نظام الازدواجية و تبعا لما عرفه المجتمع من تطور على جميع الأصعدة و في مختلف المجالات من شأنه أن يشكل دفعا قويا بهدف تطوير مرفق العدالة و تحسين خدماته بما يعود بالنفع على المتقاضين بشكل خاص.
ومهما يكن من أمر فانّ سبب تبني نظام الازدواجية وإنشاء هياكله من مجلس للدولة و محاكم إدارية و محكمة للتنازع يدخل في سياق السياسة العامة للدولة والثورة التشريعية الّتي أحدثتها بهدف مواكبة تطور المجتمع وسد ثغرات ونقائص المراحل السابقة. خاصة وأن الخطاب الرسمي ابتداء من إقرار دستور 96 وعلى جميع المستويات كثيرا ما كان يسلط الضوء على المراحل السابقة و يصنفها بنعوت سيّئة. ومن هنا كان على السلطة أن تدخل في مرحلة من التغيير النوعي لتكسب ثقة المواطن خاصة و أنّ الأمر يتعلّق بمرفق القضاء وهو مرفق يتردّد عليه الأشخاص كثيرا ويعلقون عليه آمالا كبيرة في مرحلة التقويم و التغيير.
ثالثا من حيث الإجراءات
لقد سن المشرع الجزائري بموجب القانون 08/09. المؤرخ في 25 فبراير 2008 نظاما حرص من خلاله على تكريس فكرة التميز الإجرائي للمنازعة الإدارية. وهو ما تأكد من خلال تسمية هذا القانون بالإجراءات المدنية والإدارية وتأكد من خلال النصوص أو الفصل في الأحكام بين القضاء العادي والإداري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abdelghani.tw.ma/
 
مفهوم القانون الاداري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التواصل القانوني :: مدخل القانون الإداري :: نشأة والتطور القانون الإداري-
انتقل الى: